القرطبي

269

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

القول على " النجوى " . قال المبرد وهو كقولك : إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله فبنو بدل من الواو في انطلقوا . وقيل : هو رفع على الذم ، أي هم الذين ظلموا : وقيل : على حذف القول ، التقدير : يقول الذين ظلموا وحذف القول ، مثل " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم " [ الرعد : 23 - 24 ] . واختار هذا القول النحاس ، قال : والدليل على صحة هذا الجواب أن بعده " هل هذا إلا بشر مثلكم " [ الأنبياء : 3 ] . وقول رابع : يكون منصوبا بمعنى أعني الذين ظلموا : وأجاز الفراء أن يكون خفضا بمعنى اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم ، ولا يوقف على هذا الوجه على " النجوى " ويوقف على الوجوه الثلاثة المتقدمة قبله ، فهذه خمسة أقوال : وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال : أكلوني البراغيث ، وهو حسن ، قال الله تعالى : " ثم عموا وصموا كثير منهم " ( 1 ) [ المائدة : 71 ] : وقال الشاعر : بك نال النضال دون المساعي * فاهتدين النبال للأغراض وقال آخر : ( 2 ) ولكن ديافي أبوه وأمه * بحوران يعصرن السليط أقاربه وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير ، مجازه : والذين ظلموا أسروا النجوى . أبو عبيدة : " أسروا " هنا من الأضداد ، فيحتمل أن يكونوا أخفوا كلامهم ، ويحتمل أن يكونوا أظهروه وأعلنوه : قوله تعالى : ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) أي تناجوا بينهم وقالوا : هل هذا الذكر الذي هو الرسول ، أو هل هذا الذي يدعوكم إلا بشر مثلكم ، لا يتميز عنكم بشئ ، يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق كما تفعلون : وما علموا أن الله عز وجل بين أنه لا يجوز أن يرسل إليهم إلا بشرا ليتفهموا ويعلمهم : ( أفتأتون السحر ) أي إن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر ، فكيف تجيئون إليه وتتبعونه ؟ فأطلع الله نبيه عليه السلام على ما تناجوا به : و " السحر " في اللغة كل مموه لا حقيقة له ولا صحة . ( وأنتم تبصرون ) . [ قيل معناه ( 3 ) " وأنتم تبصرون " ] أنه إنسان مثلكم مثل : " وأنتم تعقلون " لان العقل البصر بالأشياء . وقيل : المعنى ، أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر : وقيل : المعنى ، أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق ، ومعنى الكلام التوبيخ .

--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 247 . ( 2 ) هو الفرزدق يهجو عمرو بن عفراء . ودياف : موضع بالجزيرة ، وهم نبط الشام . والسليط ، الزيت . ( 3 ) من ب وج وز وط وك وى .